يكشف أحمد عبد الحليم في تحليله عمق الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد المصري مع اتساع رقعة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، حيث تتقاطع الأزمات الإقليمية مع اختلالات داخلية مزمنة، فتدفع الاقتصاد إلى حافة هشاشة غير مسبوقة وتبرز عيوبًا هيكلية في نموذج الإدارة الاقتصادية.
يوضح التقرير الصادر عن داون أن هذه الحرب لم تخلق الأزمة بقدر ما سرعت انفجارها، إذ أدى التصعيد الإقليمي منذ حرب غزة إلى اضطراب سلاسل الإمداد الحيوية، ما انعكس مباشرة على اقتصاد يعاني أصلًا من اختناقات هيكلية وضعف في التنوع الإنتاجي.
أزمة الطاقة تكشف نقطة الضعف الاستراتيجية
يعتمد الاقتصاد المصري بدرجة كبيرة على واردات الغاز الإسرائيلي القادمة عبر حقلي تمار وليفياثان، وهو اعتماد وفر نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا قبل الحرب. لكن سرعان ما تحول هذا الاعتماد إلى نقطة ضعف حادة عندما أعلنت إسرائيل وقف الإمدادات في فبراير 2026، ما وضع القاهرة أمام اختبار صعب.
دفعت هذه الخطوة الحكومة إلى التحرك عبر خطة طوارئ لتعزيز الإنتاج المحلي وزيادة قدرات التخزين، إلى جانب التوسع في استيراد الغاز الطبيعي المسال عبر عقود طويلة الأجل مع شركات دولية. كما اتجهت الدولة إلى توقيع اتفاقيات جديدة للتنقيب عن النفط والغاز، في محاولة لتقليل الاعتماد الخارجي.
ورغم هذه الإجراءات، يبقى المشهد رهين التطورات الإقليمية، حيث قد تضطر الدولة إلى استخدام وقود أعلى تكلفة مثل الديزل أو الفحم لتوليد الكهرباء، ما يرفع الأسعار ويزيد الضغوط البيئية. ويعكس رفع أسعار الوقود بنسبة تراوحت بين 17 و30 بالمئة حجم الأزمة، ويؤكد الحاجة الملحة لتنويع مصادر الطاقة بشكل مستدام.
الأموال الساخنة وتقلّبات العملة
يرتكز جزء كبير من الاستقرار المالي في مصر على تدفقات استثمارية قصيرة الأجل تُعرف بالأموال الساخنة، والتي بلغت قيمتها نحو 40 مليار دولار، وتستخدم في تمويل عجز الموازنة ودعم السيولة. إلا أن هذه التدفقات تظل شديدة الحساسية للتوترات الإقليمية.
أظهر اندلاع الحرب مدى هشاشة هذا النموذج، إذ خرجت استثمارات بنحو 1.2 مليار دولار خلال أيام قليلة، ما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه وارتفاع الضغوط على الأسواق المالية. ومع استمرار المخاطر، قد تتفاقم الأزمة عبر تراجع السياحة وتحويلات العاملين بالخارج وتباطؤ الاستثمارات الخليجية.
يحاول البنك المركزي احتواء هذه الصدمات عبر سياسات نقدية مرنة وزيادة السيولة، لكن استمرار الاعتماد على هذه الأموال يظل مخاطرة قائمة، ما يفرض ضرورة التوجه نحو استثمارات طويلة الأجل أكثر استقرارًا.
قناة السويس تحت ضغط الصراعات الإقليمية
تشكل قناة السويس أحد أعمدة الاقتصاد المصري ومصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية، حيث سجلت إيرادات قياسية بلغت 9.4 مليار دولار في عام واحد. غير أن هذه الإيرادات تعرضت لضربات متتالية نتيجة التوترات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
أدت هجمات الحوثيين في الفترة السابقة إلى تراجع حركة الملاحة وانخفاض الإيرادات بنسبة كبيرة، قبل أن تشهد القناة تعافيًا جزئيًا مع التهدئة. لكن اندلاع الحرب على إيران أعاد الاضطرابات من جديد، حيث علّقت شركات شحن كبرى مرورها عبر مضيق هرمز أو غيّرت مساراتها، ما انعكس مباشرة على عائدات القناة.
تشير التقديرات إلى احتمال فقدان نحو ثلث حركة الحاويات اليومية، وهو ما يزيد الضغوط على الاقتصاد ويعمق فجوة العملة الأجنبية، خاصة مع ارتفاع تكاليف الشحن العالمية.
في ظل هذه التحديات، تمتلك القاهرة بعض أدوات التخفيف مثل الاحتياطي النقدي المرتفع نسبيًا وزيادة التحويلات والاستثمارات الخليجية، لكنها تبقى حلولًا مؤقتة أمام أزمات متكررة. ويؤكد التحليل أن جذور المشكلة تعود إلى اختلالات هيكلية في نموذج اقتصادي يفتقر إلى الشمولية ويعاني ضعف الكفاءة، ما يحد من قدرة الدولة على امتصاص الصدمات.
في النهاية، يفرض الواقع ضرورة إصلاحات عميقة تعزز تنوع الاقتصاد واستقلاليته، غير أن استمرار نفس النهج الحالي يجعل هذه الإصلاحات بعيدة المنال، ويترك الاقتصاد عرضة لهزات إقليمية قد تتكرر بوتيرة أشد في المستقبل.
https://dawnmena.org/how-the-iran-war-is-exposing-egypts-structural-economic-fragility/

